ابن عجيبة

413

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

سنة . فخرجت قريش ، وقائدها أبو سفيان ، وخرجت غطفان ، وقائدها عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف في مرة ، وسعد بن رخيلة « 1 » في أشجع ، وعامر بن الطفيل في هوازن . فلما سمع النبي صلى اللّه عليه وسلم بهم ، ضرب الخندق على المدينة ، برأي سلمان . وكان أول مشهد شهده مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يومئذ حر . وقال : يا رسول اللّه : إنا كنّا بفارس ؛ إذا حوصرنا : خندقنا علينا ، فحفر الخندق ، وباشر الحفر معهم بيده صلى اللّه عليه وسلم . فنزلت قريش بمجتمع الأسيال من الجرف والغابة ، في عشرة آلاف من أحابيشهم . ونزلت غطفان وأهل نجد بذنب نقمى ، إلى جانب أحد . فخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع ، في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هناك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام « 2 » . واشتد الخوف ، فأقام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأقام المشركون ، بضعا وعشرين ليلة ، ولم يكن حرب غير الرمي بالنبل والحصى . فلما اشتد البلاء بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى عيينة بن حصن ، والحارث بن عوف ، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة ، على أن يرجعا بمن معهما ، وكتبوا الكتاب ولم يقع الإشهاد ، فاستشار النبي صلى اللّه عليه وسلم سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، فقال سعد بن معاذ : أشيء أمرك اللّه به ، لا بدّ لنا من العمل به ، أم شئ تحبه فنصنعه ، أم شئ تصنعه لنا ؟ قال : « لا ، بل شئ أصنعه لكم ، أردت أن أكسر عنكم شوكتهم » . فقال سعد : يا رسول اللّه ؛ لقد كنا مع القوم على شرك وعبادة الأوثان ، لا نعبد اللّه ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة ، إلا قرى ، أو شراء ، أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام ، وأعزّنا بك ، نعطيهم أموالنا ! لا نعطيهم إلا السيف . فقال - عليه الصلاة والسلام : « فأنت وذاك » ، فمحا سعد ما في الكتاب ، وقال : ليجهدوا علينا « 3 » . ثم إن اللّه تعالى بعث عليهم ريحا باردة ، في ليلة شاتية ، فأحصرتهم ، وأحثت التراب في وجوههم ، وأمر الملائكة فقلعت الأوتاد ، وقطعت الأطناب ، وأكفأت القدور ، وأطفأت النيران ، وجالت الخيل بعضها في بعض . وأرسل اللّه تعالى عليهم الرعب ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم ، حتى كان سيد كل خباء يقول : يا بنى فلان ، هلمّوا ، فإذا اجتمعوا إليه قال : النّجا ، أوتيتم . فانهزموا من غير قتال . وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ، أي : بصيرا بعملكم ، من حفر الخندق ، ومعاونة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والثبات معه ، فيجازيكم عليه . وقرأ أبو عمرو : بالغيب ، أي : بما يعمل الكفار ؛ من البغي ، والسعي في إطفاء نور اللّه ،

--> ( 1 ) في تفسير البغوي [ مسعود بن رخيلة ] . ( 2 ) الآطام : الحصون . جمع أطم . انظر اللسان ( أطم 1 / 93 ) . ( 3 ) انظر : السيرة لابن هشام ( 3 / 225 ) .